المشاركات

"الروح المظلمة " الفصل الثالث

صورة
الفصل الثالث: حين يفتح الظلّ عينيه لم أعد أذكر آخر مرة نمت فيها. ليس لأنني لم أحاول، بل لأنني لم أعد متأكدًا من اللحظة التي أُغمض فيها عينيّ، ومن الذي يفتحها بعدها. في البداية كنت أرى أحلامًا قصيرة، غامضة، فيها وجهي ... لكن ليس كما أعرفه. الآن، لا أرى أحلامًا أبدًا. فقط سواد ممتدّ كأنه ينظر إليّ هو أيضًا. منذ صباح الأمس، بدأت ألاحظ شيئًا جديدًا. حين أمشي في الممر، يسبقني ظلي بخطوة. نعم، بخطوة واحدة فقط. كنت أظنه خداعًا بصريًا، حتى توقف فجأة حين توقفتُ... ثم استدار نحوي. لم يتحرك جسدي، لكن صدري ارتجف كما لو أن قلبي أدرك الحقيقة قبل عقلي. الظل لا يتبعني الآن. إنه يراقبني. في تلك الليلة، سمعت صوتًا قادمًا من الممر    ليس صوتًا خارجيًا، بل خربشة ناعمة على الأرض، كأن أحدهم يجرّ شيئًا ثقيلًا برفق. اقتربت ببطء، والهواء حولي صار أثقل من أي وقت مضى. كانت المرآة هناك … نفسها، لكنها لم تعكس شيئًا. كانت سوداء تمامًا، كأنها نافذة مفتوحة على فراغٍ آخر. رفعت يدي لألمس سطحها، فشعرت بحرارة. ليست حرارة ضوء، بل حرارة جسد. ثم سمعت الهمس مجددًا، قريبًا جدًا، من خلف الزجاج ...

الروح المظلمة " المقدمة "

صورة
ليس كل ما ندفنة في الداخل يختفي. بعض الأشياء تظل هناك، تتنفس بصمت،  تنتظر اللحظة التي نضعف فيها لتفتح عينيها. نحن نظن أننا نعرف أنفسنا، لكن ما نراه في المرايا ليس الحقيقة  بل ما يسمح لنا وعيُنا برؤيته فقط. أما البقية؟ فهي في مكانٍ آخر، أكثر هدوءًا، وأكثر صدقًا. الروح المظلمة ليست شرًّا خالصًا… هي الجزء الذي عرف كل شيء عنّا، وقرر الصمت. الوجه الذي لم نحمله أمام الناس، والصوت الذي خنقناه كي نبدو طبيعيين. لكن الصمت لا يموت، والظلال لا تختفي… إنها تنتظر. وعندما تناديك، لن يكون الصوت من الخارج، بل من أعماق صدرك. هذه الحكاية ليست عن الجنّ، ولا عن الأشباح. إنها عن شيء أقرب عن الإنسان حين يصبح غريبًا في جسده. عن الوعي حين ينكسر، فيتسلل منه نور صغير...أو ظلمة أكبر. كل فصل في هذه السلسلة هو خطوة داخل الذات. رحلة لا تعرف متى بدأت، ولا متى تنتهي. ربما أنت فيها القارئ، وربما كنت أنت الذي تُروى عنه القصة. لكن احذر… الروح المظلمة لا تُقرأ، بل تُستدعى. وإن وصلت إلى آخر السطور، لا تتفاجأ إن نظرت في المرآة… ورأيت أحدًا يبتسم لك قبل أن تبتسم أنت.      :Afy

الروح المظلمة " الفصل الثاني"

صورة
                                            الفصل الثاني: حين تنام المرآة              لم أعد أنظر إلى المرآة كثيرًا. لكن المشكلة أنني صرت أراها في كل مكان … في انعكاس الملعقة، في زجاج النوافذ، حتى في لمعة عين أحد المارة. كل شيء أصبح مرآة صغيرة تراقبني. ذات مساء، قررت أن أختبرها. أطفأت كل الأنوار، ووقفت أمام المرآة الوحيدة في الغرفة. تركت ضوءًا خافتًا يأتي من الممر، يكفي بالكاد لأرى حدود وجهي. حدّقت طويلًا. لم يتحرك شيء. لكن بعد لحظات، لاحظت أن صدري لا يرتفع حين أتنفس. أنا أتنفس ... لكن انعكاسي لا يفعل. ظللت أراقبه، حتى بدأ يغيّر ملامحه ببطء. لم تكن حركة مفاجئة  بل سلسلة تغيّرات صغيرة جدًا، تكاد لا تُلاحظ إلا إن انتبهت: زاوية الفم تختلف قليلًا، العين اليسرى تتسع أكثر من اليمنى، والظل تحت الذقن صار أعمق، كأن الضوء قرر أن يكرهني. ثم فجأة … رمش. لم أرمش أنا. شعرت بتيار بارد يسري في عروقي. حاولت أن أتحرك، لكن قدمي التصقت بالأرض، كأن جسدي ...

الروح المظلمة " الفصل الأول "

صورة
 الفصل الأول: الضيف في الجسد لم أعد متأكدًا متى بدأت الأمور تتغيّر. ربما في تلك الليلة التي استيقظت فيها وشعرت أن الهواء أثقل مما كان عليه، أو حين رأيت انعكاسي في زجاج النافذة يرمش بعدي بنصف ثانية. لم أنتبه وقتها. قلت لنفسي إنها قلة نوم، أو خيال عابر. لكن الخيال لا يترك آثار أصابع على جلدك، أليس كذلك؟ صرت ألاحظ أشياء صغيرة. نبرة صوتي تغيّرت قليلًا، فيها خشونة لم أتعرف عليها. طريقة مشيي اختلفت — خطواتي أصبحت أبطأ، لكنها أكثر ثقة، كأن أحدًا آخر اعتاد هذا الجسد أكثر مني. حتى وجهي... لم يعد لي تمامًا. المرآة تقول شيئًا لا أفهمه، لكنني أراه في عينيّ كل صباح: نظرة غريبٍ يسكن بيتًا ليس له. في البداية حاولت المقاومة. كنت أغمض عينيّ طويلًا، أتنفس ببطء، وأقنع نفسي أن كل شيء طبيعي. لكنني لاحظت شيئًا غريبًا… عندما أغلق عينيّ، أراه بوضوح أكبر. لا ملامح محددة، فقط ظلّ كثيف يتحرك في حدودي، كأن جسدي صار منزلًا صغيرًا يسكنه اثنان. كلما حاولت طرده، أضعف أكثر. وفي كل مرة أنظر فيها إلى يدي، أشعر أنها تتحرك قبل أن أقرر ذلك. ذات مساء، سمعت صوته — لم يأتِ من الخارج، بل من داخلي تمامًا، من مكان عميق خ...